صديق الحسيني القنوجي البخاري
60
فتح البيان في مقاصد القرآن
الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه فهو إلى اللّه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له » « 1 » . وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم : عن أم سلمة الأنصارية قالت : « قالت امرأة من النسوة : ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه ؟ قال : لا تنحن ، قلت : يا رسول اللّه إن بني فلان أسعدوني على عمي لا بدّ لي من قضائهن ، فأبى عليّ ، فعاودته مرارا فأذن لي بقضائهن ، فلم أنح بعد ، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري » « 2 » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أم عطية قالت : « بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأ علينا أن لا نشرك باللّه شيئا ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة منا يدها فقالت : يا رسول اللّه إن فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها ، فلم يقل لها شيئا . فذهبت ثم رجعت ، فقالت : ما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ » « 3 » ، وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن النوح . فَبايِعْهُنَّ هذا جواب إذا ، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن أي التزم لهن ما وعدناهن على ذلك من إعطاء الثواب في مقابلة ما ألزمن أنفسهن به من الطاعات ، فهو بيع لغوي ، والبيع في اللغة مقابلة شيء بشيء على وجه العوضية ، وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها لها بها ، كأن كل واحد منهم باع ما عنده بما عند الآخر ، ذكر اللّه عزّ وجلّ ورسوله صلى اللّه عليه وسلم في صفة البيعة خصالا ستا صرح فيهن بأركان النهي في الدين ، ولم يذكر في بيعتهن أركان الأمر وهي ستة أيضا : الشهادتان والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجنابة لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام ولأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال ، فكان الاشتراط للتنبيه على الدائم آكد . وقيل : إنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء ، ولا يحجزهن عنها شرف النسب ، قال ابن الجوزي : وجملة من أحصى من المبايعات إذ ذاك أربعمائة وسبعة وخمسون امرأة ، ولم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام بهذه الآية انتهى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأحكام باب 49 ، وتفسير سورة 60 ، باب 3 ، ومسلم في الحدود حديث 41 ، والترمذي في الحدود باب 12 ، والنسائي في البيعة باب 9 ، 38 ، والإيمان باب 14 ، ومالك في البيعة حديث 2 ، وأحمد في المسند 5 / 314 ، 321 ، 323 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 60 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 6 / 408 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 60 ، باب 3 ، والأحكام باب 49 ، وأبو داود في الجنائز باب 25 ، وأحمد في المسند 5 / 85 .